فنجان قهوة مع العالِم الفذ: حينما يتجاوز الذكاء حدود المنطق

في أحد مقاهي الحي المعتادة، حيث اعتدت تبادل التحايا الصباحية وكأنها شعائر مقدسة دون الخوض في أحاديث قد تفتح أبواب الجحيم، قررت ذات يوم أن أمارس رياضة فكرية جديدة: الحديث مع الغرباء. يا ليتني لم أفعل!

كنا ثلاثة، نتبادل أطراف الحديث حول موضوع بدا بريئًا تمامًا: سياسة المياه في المغرب. تحدثت بحماس عن الجهود المبذولة في تحلية المياه وتجديد الشبكات، وعن كيف أصبح المغرب نموذجًا يُحتذى به دوليًا.

لكن، فجأة، تدخل أحد الجالسين، الذي سألقبه بـ “العالِم الفذ”، متكئًا إلى الخلف وكأنه على وشك أن يلقي خطابًا يغير مجرى التاريخ:

“هذا هراء! كل هذه المشاريع مجرد ستار. الحقيقة أن صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة يسيطران على المياه لفرض سيطرتهم على الشعوب!”

نظرت إلى صديقي الآخر، فوجدته يرفع حاجبيه بدهشة وكأنما شاهد للتو مارادونا يسجل هدفًا بيده، بينما أنا كنت أحاول استيعاب القفزة البهلوانية التي قفزها الحوار من تحلية المياه إلى نظرية المؤامرة العالمية في ثلاث جمل فقط!

لكن الأمور لم تتوقف هنا، بل بدأ “العالِم الفذ” في عرض مواهبه الخارقة، مدعيًا أنه تنبأ بغزو أوكرانيا منذ عشر سنوات، وأنه يعلم بصفقة سرية بين بوتين ونتنياهو: الأول لغزو أوكرانيا، والثاني لغزة، وأن كل ما يحدث ليس سوى فصول من مخططات تُحاك في كواليس لا يراها سوى العظماء أمثاله.

ثم جاء دور الضربة القاضية:

“هل تعلمون أن دماغ الإنسان يستهلك 12 واطًا من الطاقة؟ بعض الناس لا يستطيعون استيعاب الحقائق بسبب قدراتهم المحدودة، أما أنا فمسألة الفهم عندي مختلفة… لديّ هبة سماوية، أرى الأحداث قبل وقوعها، وكأن شخصًا يهمس في أذني!”

هنا، لم أتمالك نفسي من الضحك، رغم محاولاتي البائسة للحفاظ على ملامح جدية. تذكرت مقولة عظيمة:

“إذا جلست مع شخص يدّعي معرفة كل شيء، فاعلم أنك تجلس مع شخص لا يعرف شيئًا.”

أما صديقي الآخر، الذي بدا عليه الاعتياد على مثل هذه السيناريوهات، فاقترب مني وهمس:

“نحن نقول له دائمًا ’نعم‘، إنها الطريقة الوحيدة لتجنب نقاشات تستمر حتى نهاية الزمن.”

كيف تتعامل مع “العالِم الفذ”؟

بعد تحليل معمّق (استغرق خمس ثوانٍ)، وجدت أن “العالِم الفذ” يعاني من حالة نادرة تجمع بين متلازمة العظمة، الإعجاب المفرط بالنفس، ونقص حاد في التعاطف مع من يملكون عقولًا تعمل بشكل طبيعي.

لذا، إليك بعض الأساليب المجربة لمواجهة أمثاله دون الحاجة إلى جرعة إضافية من المسكنات:

  1. التزام الهدوء التام: لا تدع هجومه المعلوماتي المزيف يزعزع ثقتك، تذكر أن من يصرخ أكثر، يعرف أقل.
  2. رسم حدود واضحة: إذا تجاوز حدوده، يمكنك بلطف إبلاغه بأنك لم تأتِ لتلقي محاضرة في “العلوم الخفية”.
  3. تجنب الجدال العقيم: الحديث مع أمثاله يشبه اللعب بالشطرنج مع حمامة: سيتجاهل القواعد، ينثر القطع، ثم يطير معتقدًا أنه انتصر!
  4. التركيز على الحقائق: عندما يتحدث عن “المصادر”، تذكر أن قضاء 10 ساعات في مشاهدة “قناة الجزيرة” لا يمنح أحدًا دكتوراه في العلوم السياسية.

في النهاية، أدركتُ أن بعض الأحاديث تجرّك إلى عوالم موازية، حيث يصبح كل شيء مجرد حبكة محكمة لحكومة خفية تدير الكون. وربما في المرة القادمة، سأكتفي بتبادل التحية مع الغرباء، وسأترك النقاشات العميقة لأصحاب الحواس الست، ومتابعي نشرات الأخبار بشهادات فخرية في التحليل السياسي!


ملاحظة: إذا صادفت “عالِمًا فذًا” في مقهاك المعتاد، فلا داعي للقلق. فقط ابتسم، وقل له:

“أنت عبقري حقيقي… لكن للأسف، علي الذهاب، لديّ لقاء سري مع مجلس إدارة العالم الخفي!” 😏☕

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *